- الإعلانات -

كتب المحامي زياد فرام: “لُبنَان استَفادَ من أزَمَتِه”

الويلُ لشَعبٍ ليس فيه من يُفكِّر، وإن وُجِدَ.. فليس هناك ممن يُعمِلَ النَّظر، وإن أَعمَلَ أغفل، وإن تَدَبَّرَ أعرَض، وإن تَرَوَّى استهتر، وإن تقَصَّى تسرَّع، وإن حَقَّقَ ما دَقَّقَ، وإن فَحَصَ ما فهم..
الويل في من أَبْدَعَ  وأَتَمَّ وأَجَدَّ وأَجرَى وأَحدَثَ وأَدَّى وأَقْبَلَ وأَمْضَى وأَنْتَجَ وأَنْجَزَ واسْتَحدَثَ واشْتَغَلَ واهْتَمَّ وتَوَلَّى وجَهِدَ وسَعَى وفَعَلَ.. ولم يكن ممن ينطقون بالحق..
أن تقارب أسباب أزمة ما،  يعني أنَّك تعي فداحة ما تمر به، وأن تحاول الصمود، فأنت تسعى لتخطي النتائج.. أما النجاح فيعتمد على مرونتك.
خلال عامٍ مضى، برهن الشعب اللبناني أنه أكفأ من سلطته، فالمجتمع كان قد أظهر تماسكاً في عزِّ ضياع الدولة وتخبُّط مؤسَّساتها الدستورية ووسائلها الإدارية، فجاء تكيّف المجتمع اللبناني مع ما أُرغِم على مواجهته بوسائل تعدُّ “من اللَّحم الحي”، مفاجأة كبرى تكشف عن حقيقة أن لبنان قد استفاد من أزمته..!!
أن تبدأ التفكير في قلب أنموذج اقتصادك الريعي لتدخل رويداً في طور الإنتاج فالإكتفاء المرحلي، أن تكبح استهلاكك إلى ما دون النصف لتعيد تقليص حجم ميزان مدفوعاتك لتخفِّض مستوى استيرادك ، هذا يعني أنك تحقق وفراً كبيراً حيث الخسارة المحدودة ربح بالنسبة للخسارة الواسعة.
أن يُجمع الشعب على سقوط القوى الحاكمة والسلطة السياسية ليصنع لذاته هيكلية حصينة تعوضه تدخل الدولة في مجالات الإقتصاد والصحة والتربية والطاقة والصناعة، ما يعني أن اللبنانيين تفاعلوا إيجابياً وأمسكوا زمام الأمور حيث غابت سلطات الدولة فكانت مبادراتهم الفردية محفزة لإعادة النمو في عز الإنهيار.
أن يسقط الرهان الشعبي على الخارج “الحنون” المأزوم المنهك والغارق في مشاكله وما سببته جائحة كورونا للإقتصاد العالمي ككل، فهذه نقطة قوة جديدة تسجَّل لمصلحة الشعب اللبناني الذي تخطى محنته بعرق جبينه ولعلها المرة الأولى التي يلمس فيها اللبناني أنه لم يعد في أولويات الدول التي امتحنتها الجائحة وكشفت هشاشة اقتصادها.
لقد عاد الرِّيف اللبناني بسحرٍ ساحرٍ وأمام حدّة الأزمة إلى النمو، فعادت الزراعة المنزلية والصناعات المحلية ولو بشكل خجول للواجهة.
فبالرغم من الشَّلل البنيوي في كافة قطاعات الإقتصاد الوطني وتقاعس الدولة المؤسساتية عن القيام بواجباتها حيث لم تكن مشكلة الإقتصاد في المجال النقدي وإن بدا ظاهر الأزمة كذلك فالخلل البنيوي سرَّع عملية الإنهيار حيث الهيكل مبني على الإستدانة المفرطة.. وأمام هذا الواقع وما شهده السوق المالي من شح للعملات الصعبة أصبح السوق السلعي بالرغم من التضخم المفرط على يقين أنه لا يمكن الإستغناء عن الليرة الوطنية، فالإتكال على العملة الأجنبية فقط سيكون له تبعات وخيمة وهو نوع من الإنتحار الكبير، وهذا ما سيعول عليه في المرحلة القريبة وما سيعيد تقييم العملة المحلية ويعيدها لمستوى قيمي حقيقي.
لقد كشفت أزمة لبنان عن الفساد المستشري والسرقة الموصوفة والمنظمة للمال العام وأصبح الجميع يعلم أن الاأمة الحقيقية ليست طارئة بل مستفحلة منذ عقود حيث جاءت عمليات التلاعب في سعر الصرف لإخفاء سلوكيات الفساد المستشري والتهريب والسرقة للمال العام والزبائنية المفرطة وإنهاك المالية العامة بالتوظيف والمحسوبيات.
أزمة لبنان بيَّنت عوراته البنويّة والهيكلية ليس هذا فحسب بل ضعف مناعة الموقف الوطني الرسمي أمام الضغوط الخارجية..
أزمة لبنان فضحت فقاعة المصارف وهشاشة مؤسسات الدولة التي أصبح همها الوحيد توزيع الخسائر على عاتق الشعب ومن سيدفع ثمن الإنهيار..
أزمة لبنان أفشت عن تحلل السلطة من دينها العام وتحلل القطاع الخاص من ديونه الخاصة..
أزمة لبنان أوضحت خارطة طريق جديدة وكشفت الحقائق وأيقظت النيام السكارى من هجعات أحلامهم..
أزمة لبنان بيَّنت عن حالات اضطراب في الوعي المجتمعي..
أزمة لبنان أجْلَت حقيقة أن الطائف والديمقراطية التوافقية هما إشكاليتا هذا النظام البائد وأن الطائفية السياسيّة هي الفزاعة، وانَّ الزبائنية هي السلاح الأنجع بيد أهل السلطة أمام الإفقار الممنهج للوطن والمؤسسات..
أزمة لبنان ستسفِر عن حقيقة واحدة، بأن الرحلة المزيَّفة ما بين الرخاء والجوع ستكون أسهل من سلوك طريق الحقيقة المعاكسة من قعر الجوع نحو الرخاء.. 
وفي خضم كل ذلك نحن ذاهبون لاقتصاد مختلف جذرياً عن ذلك الذي عرفناه بعد الحرب، وبحاجة لكفاءات جديدة، وجهابذة الظلّ هم واجهة لبنان الغد، حتى ذلك الحين علينا صقل أفكارنا و تجهيز سواعدنا وعقد عزائمنا وتأهيل إمكانياتنا لتخطي أزمتنا المرحليّة.
ولنعي أن أنظمة مسايرة الفقراء دون تحفيزهم ستودي بالأغنياء إلى مستوى مدقع، وأن تحرير الودائع وفق سعر السوق هو الحل الأنجع بالرغم من ثقل وزره فبذلك فقط تعود للمصارف هيبتها وتكف عن التصرف ككونتوارات إيفاء للودائع بالتقطير.
ومهما حاول الفاسدون حجب الحقيقة، فمن يتعمّق في بحث الأزمة ييقن حقيقة نظرية “لافوازييه”  بأن لا شيء يضيع، لا شيء يُخلق، كل شيء يتحوّلRien ne se perd, rien ne se crée : tout se transforme 
نعم، إنَّ لبنان قد استفاد من أزمته، أما البعض فمن خوف الفقر في فقر ومن خوف الذلِّ في ذلٍّ..

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More